عبد القادر الجيلاني
200
فتوح الغيب
المقالة الأربعون متى يصحّ السّالك أن يكون في زمرة الرّوحانيّين ؟ لا تطمع أن تدخل في زمرة الرّوحانيّين حتّى تعادي جملتك ، وتباين جميع الجوارح والأعضاء ، وتنفرد عن وجودك وحركاتك وسكناتك وسمعك وبصرك وكلامك وبطشك وسعيك وعملك وعقلك ، وجميع ما كان منك قبل وجود الرّوح فيك وما أوجد فيك بعد نفخ الرّوح ، لأنّ جميع ذلك حجابك عن ربّك عزّ وجلّ ، فإذا صرت روحا منفردة ، سرّ السّرّ ، غيب الغيب ، مباينا للأشياء في سرّك ، متّخذا للكلّ عدوّا وحجابا وظلمة ، كما قال إبراهيم الخليل عليه السّلام : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] قال ذلك للأصنام ، فاجعل أنت جملتك وأجزاءك أصناما مع سائر الخلق ، فلا تطع شيئا من ذلك ولا تتّبعه جملة ، فحينئذ تؤمن على الأسرار والعلوم اللّدنيّة وغرائبها ، ويرد إليك التّكوين وخرق العادات الّتي هي من قبيل القدرة الّتي تكون للمؤمنين في الجنّة ، فتكون في هذه الحالة كأنّك أحييت بعد الموت في الآخرة فتكون كلّيّتك قدرة ، وتسمع باللّه ، وتنطق باللّه ، وتبصر باللّه ، وتبطش باللّه ، وتسعى باللّه ، وتعقل باللّه ، وتطمئنّ وتسكن باللّه ، فتعمى عن سواه وتصمّ عنه ، فلا ترى لغيره وجودا مع حفظ الحدود والأوامر والنّواهي ، فإن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنّك مفتون متلاعبة بك الشّياطين ، وارجع إلى حكم الشّرع ودع عنك رأي الهوى ، لأنّ كلّ حقيقة لم تشهد لها الشّريعة فهي زندقة . واللّه أعلم . * * *